هل نصنع من مساحاتنا منازل لعقولنا؟
هل كوب القهوة محاولة استقرار؟
مكتبي في الشهر الثالث.
تساؤل..
ايش أول حاجة تنقلها معك لمكان جديد؟
افتتاحية..
بعد مُدة من عدم المشاركة هنا، أعيش شعوراً مُحرجاً ومتحرجاً بالعودة للكتابة في الفضاءات العامة، يجعلني الأمر أشعر كما لو كنت مُنكشفة للغاية.. كأن تكون فرداً محاطاً بستائر تغطيك في مدار حركتك، لا أنت منكشف التفاصيل، ولا أنت واضح المعالم، تتوائم بحركتك مع الظروف متوهماً بالنُسق الذي تملكه.. هكذا أنا، ثم تحدث اللحظة حيث أعود للكتابة، فأنزع الستار وأقف وحيدة أمام مسرح المشاعر.
ها أنا ذا، كابن ضال عائد لكنف الحاجة للكتابة، لا من أجل التعبير فحسب، بل حاجة النفس لترمي بعبء الأفكار فوق صفحة ما، محسوسة في اليد أو إلكترونية هائمة في فضاء تبدو فيه كذرة منكورة الأساس والمنشأ.
تُعزيني الكتابة، فهي عزاء النفس الذي يطبطب على الروح رغم القسوة، والمُعلم الذي يعلمك مواجهة النفس، فمهما بلغت مبلغاً من الكذب الشخصي على الذات، ستعريك كتابتك بفكرة أو اثنتين حقيقتين للغاية عنك، فهي تشابه تقاسيمك، وشكلك، وكيف يبدو عقلك ورفوفه في داخل رأسك.. أجدني واقفة على باب الكتابة حين أُحبط وأجلس في مواجهة الصعاب.
ورُغم معرفة الأغلب بأن قوت حياتي بأكلمها يعتمد على الكتابة، إلا أن تلك الكتابة دوماً ما تضعني في مواجهة صعبة، نوع من الكتابة الفجة التي ترفضها كتابتك الأخرى، فهي ليست نتاجك، إنما أنت آلة في يد تلك الكتابة، متحولاً ومتحرولاً حول نفسك في ضياع ثابت لصنع ما يتوائم مع كل شيء سوى قدرتك.. تتساءل صديقة لما تقل كتابتي في كل مرة أركز فيها على العمل، وأزدهر في منتجي الكتابي كل مرة أترك فيها عملي. الطريف في الأمر أن الازدهار في نتاجي الكتابي الخاص مرتبط بالضرورة بالابتعاد عن كتابة ما يستلزم علي لأعيش بأسلوب يناسبني.
مقدمة طويلة.. لكنها تعزية وتجزية..
بعد عدة انتقالات منذ سنوات بين مختلف أنواع المكاتب، واكتشاف الكثير من الأشخاص الرائعين، وآخرين مُتعبين في التعامل، استقريت بداية السنة في مكتب جديد، مكان استبشرت بنفسي فيه لأسباب كثيرة، رغم انعكاس الظروف معي لتحبطني هذا العام من كل جهة، فأصبحت أمتن لكل يوم أستطيع أن أشعر فيه بأني بخير..
عند وصولي لمكتبي لأول مرة، استمررت بمراقبة كل المتعلقات الشخصية التي تخص الفتاة الرائعة التس سبقتني، أتلفت يمنة ويُسرة لأستكشف مساحتي.. جعلت المكتب على حاله لمُدة، ليس إشكالاً فيني، إلا أني بدأت أشعر بالسأم من تجهيز مكاتب تشبهني في كل مكان أنتقل إليه لأحمل بعدها بعثرتي وفوضاي من مكان إلى مكان آخر، وكأني عابر سبيل وظائف، ومع قلقي المتزايد قررت أن أستقر أولاً.. لأول مرة لا أدخل مكتباً جديداً حاملة كوبي الخزفي، لأول مرة قررت أن أمتلك قيمة الوقت لنفسي قبل أن أصدم كوبي المفضل بمنزل جديد آخر، هذه المرة حتى لم أنقل معي أي لوحة من لوحاتي السابقة، بقلق شديد استعملت المكتب، حتى رفضت شراء علبة أقلام، ولم أكتب أي قصيدة على ورقة ملاحظات في البداية، فقد كان يتعبني أن أمزع أبياتي المفضلة لرياض الصالح حسين في كل مرة، أو أن أُجبر أبو العتاهية على قبول تقليل المكانات او المنازل في كل مرة. أخذت وقتاً، وربما وقتاً كافياً لأجعل أوراقي وكوبي الخزفي يسعرون بالأمان، فأصبحت أملك علبة حبوب مسكنة في المكتب، ومعقماً، وبطانية صغيرة في ركن قصي من المصلى، ثم صورة لشقيقتي الصغرى، وأبيات رياض، وقصيدة لسوزان، وبطاقات هدايا، وعلقت صوراً مطبوعة من كاميرتي الاحترافية، ومنديلاً رسمت عليه صديقتي عيني بينما كنا شاردين بين ضحكاتنا في مقهى قصي في أحد أحياء الرياض.. هكذا يبدو مكتبي، انعكاساً بحتاً لفوضاي وما يشبهني، ستجد الكثير من الأشياء فوق مكتبي‘ حتى تلك التي لا أستعملها، لا أعلم لما أملك عطراً وكريم يد لا أفضل رائحته فوق مكتبي، فبالغرم من ندرة استعماله أجده شكلاً من أشكال أُلفة طاولتي، أجد ديواناً شعرياً لقاسم حداد، ورواية مائة عامٍ من العزلة رغم أني لم أقرأ سوى خارطة الأسماء فيها. اعتدت مساحتي، فقد شابهت عقلي، مزاجي المتقلب، ومحاولاتي الحادة والجادة في الحفاظ على شخصية اجتماعية ولطيفة وعملية لأواجه بذلك قلقي المستمر ومخاوفي وقلة الثقة التي تواجه كل فرد.. أصبحت المساحة منزلاً لعقلي، لأجد نفسي غير مكتفية، فاقتنيت كوباً آخر، كوباً يبدو طريفاً يحمل وجه سنوبي البارد الذي يشابه طريقة عقلي في مجابهة ما يرفضه. هكذا أصفت كوباً وأصبحت أساوم عامل المكتب في إحضار قهوتي الباردة فيه بدلاً من كوبي الخزفي، ثم اعتاد عليه ليزيح كوبي القديم مثلما نفعل في المنزل حين نقتني قطعاً جديدة.. بأكثر الطرق البسيطة والسلسة، وكأنما امتلكت تلك المساحة متناسياً حقيقة أن عقلك الذي يعمل هنا، هو جزء مؤقتاً من منظومة تكبرك..
اليوم، قررت أن أبدأ بتراتيب انتقالي، أو تركي لمكتبي.. والمرحلة الجديدة القادمة، لأجدني أفكر كثيراً في ما الذي يجب أن أحمله أولاً؟ رف الأوراق؟ أم علبة أقلامي؟ في الأسبوع الماضي أعطيت كل زميلة من زميلاتي قصاصة من المُعلقات أمام طاولتي، لكن ماذا عن كل ما تبقى؟ وجدتني أفكر بأكوابي، تلك هي.. الدلالة الأولى على الأُلفة أن تشرب قهوتك والشاي في كوب يقبع في رف خشبي في أركان مطبخ صغير يعبر عليه العديد من الأفراد والكثير من التحيات والعديد من الأحاديث العابرة والأطعمة وعمال التوصيل وطلبات المتاجر الإلكترونية.. تلك هي خطوتك الأولى لذلك العالم، وخطوتك الأولى للخروج منه.. أن تستجمع قواك لتسحب كوبك، وتشرب في أكواب ورقية في الأيام المتبقية لك، لا ننتقل أجساداً فقط، بل عقولاً، نفس متحركة ومتقلبة، بطريقة ساحرة، يُعلمك عقلك أن انتقالك من مكان لآخر عملية حسابية، فعقلك هو الوحيد الذي سينتشلك من خلال تعليمه لك، ما الذي يجب أن تأخذه أولاً، ما الذي يجب أن يغادر.. عملية مشابهة لانتقالنا بين منازلنا، استعمالنا لصحون وملاعق بلاستيكية في المنزل القديم قبل الرحيل، ثم استعمالها مجدداً في بداية انتقالك إلى أن تألف المكان وترتبه..
أعلم أن لا قيمة مضافة حقيقة من تدوينة مثل هذه، ولكن لمثل هذه خلقت التدوينات، لمواجهة الفضى العالقة في زاوية عقلك، أو المتوارية خلف تحاملك.. لا فكرة لدي سوى أني حملت أُلفة المكان في كوبي اليوم، لتتابعه سلسة من انتقالات السكن العقلي المقتنع بالاستقرار في مساحة لا تتجاوز عدة أمتار، تحمل ذاتك متساءلاً عن فوضى شعورك، هل أنت راضٍ هنا عن تحركك الغير واقعي في دوامة متقلصة.
تسكن عقولنا تلك المساحات التي تجدها انعكاساً لها، كنوع من الروتين تتوجه لذلك المكتب، بطريقة أو بأخرى يعبر الواحد منا على مساحة فتحمل منه أثراً، حتى أقل الناس فوضى، يتركون بصمة شخصية تشابه تصرفاتهم، شبحاً قابعاً بطريقتهم الفريدة.. تصنع عقولنا المنازل التي تعكس أفكارها..
من دوامتي المتقلصة هنا، أرد على تساؤلي الفوضوي، وحواسي القلقة.. أن كوب الورق في مكان آخر سيبدو ممتزجاً بتوتر آخر جديد، قد نواجه يا عقلي العزيز أزمة الانتقال أو قلق فوات فرصتنا بالاستقرار، أننا نعيش على حافة القلق، وعلى أطراف حِدية ذواتنا سنبقى، نتساءل، نبحث، ونجد أجوبة نرغب بها وأخرى لا نرغبها.. هكذا يا عقلي منطلقين من كوب ورق آخر سنجد خطوة أخرى لنخطوها.. ممتلئين بالقلق والخوف والرغبة باكتشاف فرصنا الجديدة.
انتهى..
مكتبي الأسبوع الماضي..



