بداية، مقاومة التسويف
حالة ١٠١- قاومي التسويف
في مطلع هذا العام، وفي نهاية العالم المصاحب لـ ٢٠٢٢ المغادر كغيره، كنت في نقاش عن ماهية قدرتي على الالتزام، عن شوقي للكتابة، عن محاولاتي البائسة في العودة للتدوين، وعن رغبتي في الرجوع لهنا، للحالة حيث كنت أكتب، أدون وأثرثر.
كانت مدونات وورد بريس هي الأولى التي أجربها في التدوين، بل وكانت الأولى في تعريفي على عالم الكتابة المستقلة، عقب تخرجي من الثانوية بدأت القراءة فيه، وفي ٢٠١٦ بات أدون بعبث، ومع مطلع ٢٠١٧ أصبح عادة إلى بدايات ٢٠٢٠. لم أملك جمهوراً هنا، ربما خمس أو ست أصدقاء لا أعرفهم ولا يعرفونني، يقرؤون لي وأقرأ لهم، لم يكن لدي أي تواصل معهم، أو معرفة بأساميهم، فقط أترقب كتاباتهم، وينظرون في كتابتي، لاحقاً توقفت فجأة في بداية ٢٠٢٠ عن الكتابة في وورد بريس. ومع بداية مشروع الخبز انتقلت لكارميلا، المكان الذي شعرت فيه بأني أعيش في فقاعة لا تشبهني، تشبهني الفكرة وتشبهني الكتابة، لكن المكان لا يشبهني.. وكأني أكتب في دفتر لا أحب غلافه.
وبعد حوارات عديدة وبحوث كثيرة، ومماطلة وانشغال، أخيراً وصلت هنا..
لا أعرف شيئاً عن substack ولا عن كيفية التعامل معه، ولم أضف سوى أربع عناوين بريد، بالمناسبة شعرت فجأة بالوحدة مع العدد القليل الذي استطعت مشاركتهم هذه المدونة على استحياء.
لا تزال فكرة مشاركة الكتابة فكرة خجولة؛ بل ومحاولة صعبة، فأنا لا أميل لأن أكتب وأراجع فيكون المخرج لدي أشبه بعقل في فوضى، وكأن كتابتي تشبه خزانتي، ملونة، كئيبة تارة، وتارة أخرى مبهجة، عملية، ولكن فوضوية بعض الشيء. هكذا تستمر كتاباتي، كرتم غريب، وأنغام غير مرتبة.
ما أثر علي كثيراً هو انخراط عملي بشكل شبه كامل في مجال الكتابة، ما أصبح يستنفذ قدرتي على المجازفة بأفكاري وطاقتي لأكتب لنفسي، لم تعد التدوينات خفيفة وتساهم في خفة اليوم، بل أصبحت محاولات اجترار ثقيلة…
لوهلة فكرت
ناقشت مع نفسي في ورشة عصف ذهني
ثم في حديث مطول مع أحد الرائعين.. اعترفت بالحقيقة.. أنا مسوفة —-
أنا مُسوفة
حالما اعترفت بالأمر بصوت عالٍ تنفست بهدوء، ثم قُلت أنا واعية بتسويفي، أعلم لما أنا مسوفة، ومقولة، ولا أستطيع التخطيط للكتابة والتدوين، أريد أن أدون عن أسخف الأمور ولكني أقلق، تسويفي يصاحبه الكثير من القلق، في الحقيقة أعتقد أن قلقي وتوتري المبالغ به هما السبب الرئيسي للتسويف..
كان هذا هو الحوار الرئيسي في يوم ٣١ ديسمبر من ٢٠٢٢..
بدأت بمحاولة كتابة هذه التدوينة منذ الخامس من يناير.. وأخيراً في الرابع من فبراير قررت أن أكتب قبل أن تتفلت أفكاري في شوارع العالم الخيالي في عقلي.
لكن لا بأس أجد تسويفي نوعاً ما دراسة نفسية، أعني الأسباب، والأحداث المؤدية، وكيفية تفكيري، واضطراب القلق، والتوتر المبالغ، والأحكام الذاتية القاسية على نفسي… وقس على ذلك الكثير..
ما تم تقريره بعد محادثة طويلة في الطريق بين الدمام والرياض كان التالي:
اكتبي تدوينة عن التسويف، عالجي الأمر بالكتابة عنه.. التدوينة تتحدث عن المماطلة والتسويف ودرة الانسان الواحد على اختراع الأسباب للتجاهل..
مثلاً في هذه اللحظة أنا أكتب عن التسويف بينما أسوف أفكار ومشاريع أخرى لأكتب، إنها آفة عقل لا يهدأ.. “عبارة درامية بس والله حقيقة”
لا أنتظر أن يتم التأشير على أخطائي ونواقصي، لدي وعي ذاتي عالي وشخصية تميل للحكم على الذات والنقد بشكل مستمر، حتى وان استمرت قائمة أخطائي بتكرار نفسها في عجلة من التدمير الذاتي، فأنا واعية تمام الوعي.. ما يجعلني نوعاً ما مرتاحة.. أعني.. أعلم يا عقلي العزيز ميلك التام للتسويف، وأعلم عن رغبتي في التهذيب الذاتي، لكن نحن لا ننجح دوماً وهذا أمر لا يجعل منا سيئين بأي شكل من الأشكال، بل يجعلنا أشخاص واعين نتصرف بسوء اتجاه أنفسنا..
الحل.. ما الحل؟
هذه العبارة تضحكني.. تذكرني بكاظم الساهر وهو يغني ما الحل يا مشكلة… الحل بسيط، no pressure، لا ضغوطات.. لا حلول جذرية فعلية.. كل ما فعلته ضد التسويف هو البدء بترتيب خزانتي بعد شهر، واقتناء أجندة صغيرة من متجر إلكتروني صغير يدعى شفق، حيث تصنع تلك الفتاة تقويماً بسيطاً بلا أي تعقيدات، يناسب حقيبتي وحجم المهام التي أريد أن أكتبها كل يوم.. حتى وإن لم أنجزها كلها فقد ساعدتني.. كنوع من الإشادة فإن اسم المتجر هو شفق وأعتقد أن الفتاة تعيش في المنطقة الشرقية، بامكانكم التعرف على تقويمي البسيط جداً من هنا
لا أحاول تجذير الأمور التي لا توقفني عن التفكير، فعلى العكس، تجعل صغائري من محاولاتي عائقاً، لذلك أجعلها احتياطاً لمواجهة كبائر أخطاء شخصيتي… لا أنكر امتلاكي لشخصية عظيمة، فبلا شك تعب والداي في تشكيلها مع مجموعة من الظروف والصعاب والأفكار الشخصية والمواقف الخاصة والعامة.. بالإضافة للعمل والتجارب والمواهب و….. الخ.
تضمنت قائمتي للحلول:
١- اكتبي على قصاصة ورق ما يخطر لك حتى إن لم أتذكر الأسباب لاحقاً
٢- اكتبي مهامك يومياً حتى وإن لم تنفذيها تماماً
٣- كل قوائم الأهداف الشهرية وهمية حتى تتحقق
٤- اشربي الماء لستي صبارة حقيقية..
٥- جلسات الذنب عبارة عن مضيعة مفيدة، لا بأس بجلد الذات على فترات
٦- صفقي لنفسك.. صفقي لنفسك..
٧- ابتسمي مرة يومياً
لدي قائمة مبتكرة، إلا أنها مناسبة ومقنعة، لا تتحمل أفكاراً ثقيلة ولا محاولات يائسة في خلق الإنجازات والابتكارات.. هي فقط أمور أفندها تناسبني..
لكن الآن ومع بدئي لعمل جديد، وسلسلة من الأعمال المسمومة ومحاولات استجداء الهوايات القديمة، وتعلم مهارات جديدة، وتجارب المطاعم والقدرة على التطور العاطفي ومحاولات التغلب على العلات النفسية، والعلاج الجسدية، والشعور بالتجدد أو بالإرهاق، أجد الكتابة ضرورة، حتى وإن لم أجل إلى مكتب لأكتب كل يوم، ولا يهم إن كنت أستقبل نصائح الكتابة من أناسٍ يدعون أنهم مخضرمون، ولا أعتقد أني آبه حقيقة لمجتمع الكتابة أو مجتمع القراء أو الخبازين أو المثقفين..
عن ماذا أبحث؟
أبحث من خلال الكتابة على ضائعين مثلي، أناسٌ يبتسمون صباحاً ويبكون على الأفلام الحزينة، أشخاصٌ يحاولون معرفة ما يفضلون الشاي أم القهوة، ثم يتخذون الحياد صديقاً، لا أبحث عن استجداء للانتاجية الكتابة، وكيف أكون كاتبة ذات صيت أدبي، أو كيف أحاضر، أريد أن أستمر بوند الأخطاء الإملائية بينما تصفعني الكارما من خلال لوحة مفاتيحي وأصابعي المبعثرة.. أبحث عمن يجمعون من مصروفهم لحضور جلسة يوغا، أو كيف يتمحور الاسترخاء حول ترتيب أظافري، وكيف أفكر شهرياً بقص شعري..
هنا أبحث عن أناس أخبرهم أن لدي أفضل قائمة مطاعم رومانسية، وأني أعرف أين تُصنع أفضل عجينة فطائر، أو أن لدي رغبات تنافسية كل ما رأيت كعكة، فأشتريها لأحكم عليها وأنتقدها بإيجابية، أو أني أنقد على المقاهي لأني أريد كوب كابتشينو لذيذ ومتوازن، وكيف أني أتذبذب بين ترك مستحضرات التجميل، وعن قائمة أفضل شامبوهات اقتصادية، وعن محاولات ترتيب الميزانية البائسة وعن خوف القيادة في الرياض رغم إجادتي للقيادة…
أبحث هنا عن الثرثرة المفيدة، عن التشارك، عن كتابة تشبه منازلنا الداخلية الدافئة، أو جلوسنا مع أحبتنا، عن كتابة تشبه ليالي الشتاء والمدافئ، أو الصيف والمثلجات الحامضة، أبحث عن حديث يشبه الصباح بعد المطر، حديثاً يشبه الغناء مع أغانً هابطة وضحكات عالية، أو محاورات حادة ونقاشات تافهة قد لا تقود لأي مكان سوى محاولة التخلص من الصدى والإزعاج..
هنا أبحث عني، وأشارك جزءاً مني.. وأكتب و أكتب لأن عقلي يغني بالأفكار بلا أي ترتيب..
انتهى
الخامس من فبراير..

